بطرس سوروكن (1889-1968)، واحد من آباء علم الاجتماع الحديث، قام بتحول فريد من تحليل الكوارث الاجتماعية إلى تصميم الأوتوبيا. إن إبداعه المتميز، الذروة التي وصل إليها في عمله "طرق الحب وقوته" (1954)، يمثل محاولة واسعة لجعل الألترووية ليست فقط نشراً أخلاقياً، بل قوة اجتماعية أساسية وسبيل الوحدة الوحيد للبقاء في الحضارة. سوروكن، الذي عاش ثورات روسيا، الحرب الأهلية، والتهجير، مارس في سنواته الأخيرة تطوير برنامج علمي لـ "تسليح الإنسانية الأخلاقي". إن أفكاره، التي بدات للزملاء في ذلك الوقت مثالية، أصبحت اليوم تحمل معاني جديدة في سياق الأزمات العالمية.
بدأ سوروكن ك محلل للفوضى الاجتماعية. في أعماله "جوع كعامل" و "علم الاجتماع للثورة"، أظهر كيف تكشف الكوارث عن الجانب البيولوجي والطبيعة الحيوية للسلوك البشري. ومع ذلك، عمله الكبير "الديناميكا الاجتماعية والثقافية" (1937-1941) كشف عن دورات تاريخية لتغيير ثلاثة أنواع من الثقافات:
الشعورية (sensate) - تستند إلى الماديية، الجدونية، التجريبية.
الروحية (ideational) - تستند إلى الإيمان، الأصول الروحية، الصوم.
الروحانية (idealistic) - синтيز متكامل للثلاثة السابقة.
أحدد سوروكن أزمة الثقافة الشعورية الغربية الحالية، ورأى في تفردها، النسبية، وكول الثقافة النشوية علامات الانهيار والتنبؤ بالكارثة القادمة. ولم يرى الخروج في العودة إلى الماضي، بل في الانتقال إلى ثقافة جديدة، الشاملة (الألترووية)، تعتمد على "طاقة الحب".
سعى سوروكن إلى تعرية الألترووية، مقدماً إياها كهدف للدراسة العلمية وأداة للهندسة الاجتماعية.
مفهوم الطاقة الحب: رأى سوروكن الحب/الألترووية كـ "طاقة حياة من الدرجة العالية" قادرة على تحويل الأفراد والنظم الاجتماعية. لقد أشار إلى أشكالها: الدينية، الأخلاقية، الفكرية، الفنية.
الأبحاث التجريبية لمركز هارفارد: أنشأ سوروكن في عام 1949 في هارفارد «مركز دراسة الألترووية الإبداعية». تحت إشرافه، تم جمع وتنظيم آلاف دراسات الحالة لظهور الألترووية العالية (الجهاد، التضحية، الشجاعة)، وتحليل الآثار النفسية والفسيولوجية للحب والكراهية على الجسم.
تقنيات "ألخيمية الحب": قدم سوروكن طرق ملموسة لتعزيز الألترووية:
زيادة إنتاج، توفير وتدوير طاقة الحب في المجتمع من خلال التعليم، الفن، وسائل الإعلام.
إنشاء "السلالم الاجتماعية" للألتروويين، ليتولوا مناصب مهمة في الإدارة.
تطوير "العلاج الاجتماعي والثقافي"، لمواجهة العدوانية الشخصية والاجتماعية.
ملاحظة مثيرة: أجرى سوروكن تجارب تثبت التأثير الفيزيولوجي الإيجابي للأفعال الألترووية. ادعى أن ممارسة الجودية غير المشروطة تحسن الصحة، تمدد العمر وتزيد من القدرة الإبداعية، مسبقاً أبحاث الحقبة الحالية في مجال علم الأعصاب والمناعة النفسية والصحة النفسية الإيجابية (مثل أعمال "السعادة المساعدة" – helper’s high).
أوصف سوروكن بلا رحمة أمراض المجتمع المعاصر (والمجتمع الذي نعيش فيه) الذي يجعله عرضة:
أزمة الثقافة الشعورية: الماديية الاستهلاكية غير المحدودة، التي تؤدي إلى الكارثة البيئية والفراغ الروحي.
ثقافة العنف والكذب: السيطرة في الإعلام والسياسة للاحكام الدestructive، الساخنة، والمفككة.
إنتاج المزيد من البضائع مع نقص الحب: التقدم التكنولوجي بدون تطوير أخلاقي يخلق وسائل تدمير شامل (السلاح النووي) وتلاعب.
وكان استنتاجه قاسياً: الحضارة التي لا تستطيع تقييد الأنانية وتطوير التعاون معرضة للانتحار.
تبدو أفكار سوروكن اليوم كبرنامج عمل لمواجهة القضايا العالمية الرئيسية:
الوباء وcrisis التضامن: كشف COVID-19 عن نقص الألترووية على مستوى الدول ("الناشوناليسم اللقاح") والأفراد. نموذج سوروكن للـ «المساعدة الألترووية» كأساس للصحة العامة يبدو اليوم ليس مجرد وهم، بل ضرورة عملية.
crisis البيئة: التحدي للاحترافية البشرية والانتقال إلى «الألترووية البيئية» – توسيع نطاق التضامن للجيل القادم والنظام البيئي ككل – يتوافق مباشرة مع دعوة سوروكن لتوسيع طاقة الحب.
التنقسم الاجتماعي والحروب الإعلامية. تحذير سوروكن من "ثقافة الكراهية". ألgoritms وسائل التواصل الاجتماعي الحالية التي تعمل على engagement وتحفز في كثير من الأحيان الصراع، هو عكس مشروع سوروكن لإنشاء وسائل إعلام تقدم "معلومات الحب".
الاقتصاد التضامني وAgenda ESG. الاهتمام المتزايد بالتنمية الاجتماعية، الاستثمار في التأثير، الاستهلاك الأخلاقي، والمسؤولية الاجتماعية للشركات هو تحقيق عملي لفكرة الحاجة إلى دمج الألترووية في الميكانيزمات الاقتصادية.
علم السعادة (Well-being Science). أبحاث السعادة، الإيمان، mindfulness والسلوك الإيجابي الحالي تقدم الأساس الإحصائي الذي كان يبحث عنه سوروكن، يثبت أن الألترووية مفيدة للصحة الجسدية والنفسية.
مثال: حركة «الألترووية الفعالة» (Effective Altruism)، التي تدعو إلى استخدام الأساليب العلمية والتحليل المنطقي لتحقيق أقصى تأثير للأنشطة الخيرية، هي وريث مباشر للمنهجية السوروكية. إنها تحاول تحويل الجود من رغبة عفوية إلى ممارسة نظامية، قابلة للقياس والتحسين.
طموحات الألترووية لبطرس سوروكن اليوم ليست مجرد حلم ساذج، بل مشروع علمي وسياسي حيوي. في العصر الذي أصبح فيه قدرات الإنسانية مقارنة بقدرتها على الانتحار متساوية، يصبح سؤال سوروكن حاداً أكثر من أي وقت مضى: هل يمكننا إنتاج، وتوفير وتوزيع "طاقة الحب" بسرعة كافية لتعويض "الطاقة الإنتروبية" المتراكمة؟
يترك إرثه لنا أن نعيد النظر في دور علم الاجتماع والعلوم بشكل عام: يجب أن لا تكون فقط لتشخيص أمراض المجتمع، بل لتحديد "الدواء". أظهر سوروكن أن الألترووية ليست ضعفًا، بل أعلى شكل من استراتيجية العيش العاقل لفصيل Homo sapiens. في عالم التهديدات المتشابكة، يقدم نهجه الشامل، الذي يتطلب دمج المعرفة العلمية والأخلاق والتمارين الروحية، ليس إجابات جاهزة، بل اتجاه البحث الوحيد – من التنافسية إلى التعاون الإبداعي، من ثقافة الشعور إلى ثقافة الحب البنائي.
New publications: |
Popular with readers: |
News from other countries: |
![]() |
Editorial Contacts |
About · News · For Advertisers |
Digital Library of Asia ® All rights reserved.
2024-2026, ELIB.ASIA is a part of Libmonster, international library network (open map) Preserving Asia's heritage |
US-Great Britain
Sweden
Serbia
Russia
Belarus
Ukraine
Kazakhstan
Moldova
Tajikistan
Estonia
Russia-2
Belarus-2