يُعتبر العمل التطوعي تقليديًا نشاطًا اجتماعيًا موافقًا يتميز بمساعدة الآخرين دون توقع مكافأة مالية. ولكن من وجهة نظر علم النفس المعرفي و علم الأعصاب و علم الإنسان الفلسفي، يمثل العمل التطوعي ظاهرة أعمق وهي الوضع الشخصي المستدام، يتميز بمعرفات معينة و أنماط تفكير. إنه ليس مجرد عمل، بل حالة من حالات النفس، حيث تصبح التعاطف والمسؤولية واتصال المجتمع احتياجًا داخليًا.
أثبتت الأبحاث باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) أن أفعال المساعدة غير المالية تُشغل نفس المناطق في الدماغ التي تُشغل الرفاهيات الأساسية مثل الطعام والجنس والاعتراف الاجتماعي. يتعلق الأمر بـ المسار الميزوليمبي، حيث يلعب مركب الناقل العصبي الدوبامين دورًا حاسمًا.
ملاحظة مثيرة: في التجربة التي قادها عالم الأعصاب خورخي مولا (مؤسسة الصحة الوطنية، الولايات المتحدة) قدم للمشاركين تقديم التبرعات. عند اتخاذ قرار بالعمل الإنساني، تم تفعيل الجزء الأمامي من جزيرة الدماغ والشرايين العلوية، المناطق التي تتعلق بالرضا والالتزام الاجتماعي. يُكافئ الدماغ المتطوع نفسه على السلوك الإيجابي، يُشكل حلقة ردود الفعل الإيجابية.
بالتالي، فإن حالة نفس العمل التطوعي لها مادة مادية — وهي نظام معرفي عاطفي خاص يعمل الدماغ فيه، حيث يتم استقبال المساعدة للأخرين كنشاط موضوعي ومميز.
من وجهة نظر علم النفس الشخصي، يرتبط العمل التطوعي بمجموعة من الصفات المستقرة:
التعاطف والنظرية النفسية — القدرة على فهم و مشاركة مشاعر الآخر. يتصرف المتطوع غالبًا ليس لأنه «يُجب عليه»، بل لأنه يشعر حاجة الآخرين كحاجة خاصة به.
التعالي الذاتي (نموذج كلونينجر) — قيمة الخروج عن الاهتمام الشخصي من أجل شيء أكبر: المجتمع، الطبيعة، الأجيال القادمة.
التحكم الداخلي — الإيمان بأن أفعالك يمكن أن تغير الوضع للأفضل. هذا يعارض حالة العجز المكتسب.
البحث عن المعنى الوجودي. أظهرت دراسات فيكتور فرانكل أن الشعور بالمعنى هو محرّك أساسي للإنسان. يُصبح العمل التطوعي بالنسبة للكثيرين جوابًا على السؤال «لماذا؟»، يقدم معنى محدد وملموس من خلال المساعدة على الأفراد أو القضايا.
مثال: حركة «دانيلوفي في روسيا، حيث يتبع المتطوعون الأطفال المرضى في مراكز الرعاية النهائية لسنوات، يُبنى ليس على نوبة قصيرة، بل على اختيار واعٍ للاستمرار بجوار الألم الأجنبي، يتحول الألم إلى مساحة من الدفء والكرامة الإنسانية.
تتكون حالة نفس المتطوع في حوار مع البيئة الثقافية.
في المجتمعات ذات التوجه التعاوني (ثقافات الشرق التقليدية، العالم السلافي) يُنمو العمل التطوعي من مفاهيم الجماعة، الصداقة، الرحمة (كفضيلة دينية). المساعدة هي واجب عضو المجتمع.
في المجتمعات الافترادية (الولايات المتحدة، أوروبا الغربية) يمكن أن يكون العمل التطوعي شكلًا من أشكال التحقق الذاتي المدني والتعاقد الاجتماعي، وسيلة لتحقيق تأثير على المجتمع دون الاعتماد على المؤسسات الحكومية.
ملاحظة مثيرة: بعد الزلزال في اليابان عام 2011، أدى الارتفاع الكبير في النشاط التطوعي (borantia) إلى إعادة التفكير في هذا المفهوم. من فكرة غريبة غربية تحولت إلى قيمة وطنية للتعاون kizuna (絆 — روابط، اتصال)، مما أظهر كيف يمكن للكارثة أن تُشعل حالة النفس اللاطيئة للشعب بأكمله.
من وجهة نظر علم الأحياء التطوري، يُقلل المساعدة غير المالية من فرص النجاة للفرد، حيث يستهلك موارد الفرد. ولكن تفسيرات انتخاب الجنس (W. Hamilton) و الإنسانية المتبادلة (R. Trivers) توضح هذا:
المساعدة على الأقارب تساعد في بقاء الجينات المشتركة.
المساعدة على الكائنات غير المرتبطة تخلق التزامات طويلة الأمد، تزيد من فرص الدعم المستقبلي.
في المجتمع البشري، هذا الميكانيزم قد تم تعقيده وتعميمه. يعزز العمل التطوعي الرأس المال الاجتماعي — شبكة الثقة والالتزام المتبادل، مما يزيد من استقرار المجموعة في المدى الطويل. وبالتالي، فإن نفس المتطوع من وجهة نظر تطورية ليست مرضًا، بل استراتيجية التكيف، تساهم في التعاون والبقاء للنوع Homo sapiens.
العمل التطوعي كحالة من حالات النفس هو نظام قيم مكون ومستقر، حيث يصبح المساعدة نشاطًا خارجيًا، وليس موقفًا داخليًا، طريقة للإدراك العالم ووضع oneself فيه. إنه تجمع:
الطبيعة الجينية — نظام المكافأة العصبية للسلوك الإيجابي،
الصفات النفسية — التعاطف، البحث عن المعنى،
الكود الثقافي — قيم المجتمع أو المواطنة.
في عصر التنافسية العالية والافترادية، يمثل هذا الحالة من النفس شكلًا من أشكال المقاومة الوجودية. يُؤكد أن الإنسان ليس فقط الإنسان الاقتصادي الذي يسعى إلى زيادة الفوائد، بل الإنسان المتعاطف (Homo empathicus)، حيث يصبح رفاهيته منفصلة عن رفاهية الآخرين. المتطوع في هذا المعنى ليس مجرد مساعد جيد، بل حامل نموذج بديل مبنى على الكرم والروابط، نموذج إنسانية. نشاطه هو فلسفة عملية تُظهر أن أعمق حاجة النفس هي أن تكون مطلوبة.
New publications: |
Popular with readers: |
News from other countries: |
![]() |
Editorial Contacts |
About · News · For Advertisers |
Digital Library of Asia ® All rights reserved.
2024-2026, ELIB.ASIA is a part of Libmonster, international library network (open map) Preserving Asia's heritage |
US-Great Britain
Sweden
Serbia
Russia
Belarus
Ukraine
Kazakhstan
Moldova
Tajikistan
Estonia
Russia-2
Belarus-2